الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

357

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الذهن سؤال هو : لو كان التمني والترجي جائزين بالنسبة للإنسان لعدم علمه بالغيب ولمحدودية قدرته وعجزه عن فعل وإنجاز كل ما يريد ، فكيف يجوز استخدامهما من قبل الله العالم بالغيب والشهادة والقادر على كل شئ ؟ ! والطمع والترجي يكونان في جاهل عاجز والله منزه عن ذلك ؟ ذهب كثير من العلماء إلى تأويل معنى كلمتي " عسى " و " لعل " الواردتين في كلام الله فقالوا : بأنهما إذا وردتا في كلامه سبحانه عز وجل فإنهما تفقدان معانيهما الحقيقية الأصلية وتكتسبان معاني جديدة ، وقالوا : إن كلمة " عسى " إذا أتت في كلام الله جاءت بمعنى " الوعد " وإن كلمة " لعل " تأتي في كلامه - عز من قائل - بمعنى " الطلب " . والحق أن هاتين الكلمتين لا يتغير معناهما إذا وردتا في كلام الله ، ولا يستلزمان الجهل أو العجز ، لكن استخدامهما يأتي في مواضع يكون الوصول فيها إلى الهدف بحاجة إلى مقدمات عديدة ، فإن لم تتوفر إحدى هذه المقدمات أو بعضها لم يمكن القطع بتحقق ذلك الهدف ، بل تأتي مسألة تحقق الهدف على شكل احتمال ، ويكون الحكم في هذا المجال احتماليا . على سبيل المثال يقول القرآن الكريم : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ( 1 ) ولا يعني هنا أن رحمة الله تشمل كل من يستمع أو ينصت إلى القرآن أثناء قراءته ، بل أن الاستماع والإنصات يكونان مقدمة من مقدمات نيل رحمة الله ، وهناك مقدمات أخرى مثل فهم القرآن وتدبر آياته والعمل بأحكامه . ويتضح من هذا أن تحقيق مقدمة واحدة لا يكفي لحصول النتيجة المطلوبة ولا يمكن الجزم أو القطع بحتمية تحقق النتيجة ، بل كل ما يمكن الحكم به هو احتمال حدوثها ، والحقيقة إن مثل هذه الكلمات حين تأتي في كلام الله ، يكون

--> 1 - الآية 204 من سورة الأعراف .